بين اليومي والوجودي مشدود كوتر
فضاءات رحية وشعرية مقحمة
" مشدود كوتر "عرض مسرحي كان البداية الرسمية لفعاليات الدورة الخامسة لمهرجان الشباب للفنون المسرحية بعد العرض الإماراتي الزائر (ليلة بعمر) الذي توَّج حفل افتتاح المهرجان، وقد حملت هذه البداية الفعلية التي قدمتها فرقة المسرح العمالي في الحسكة على مسرح دار الكتب الوطنية توقيع الكاتب « إسماعيل خلف » والمخرج " فراس الراشد " .
يتناول العرض حكاية رجل وامرأة جمعهما الانتظار في محطة للقطار، حيث ينتظر كلٌّ منهما وصول حبيبه الذي فارقه منذ سنوات، ومع هذا الانتظار الطويل والمتكرر يتبادلان همومهما وآلام انتظارهما في كل ورود جديد إلى المحطة، لتزداد علاقتهما قوة ومتانة بمرور السنين، لكن انتظارهما يطول وآمالهما تتضاءل وأرواحهما تختنق بمرور الأيام والسنين، إلى أن يسقطان في النهاية تحت وطأة هذا الانتظار الثقيل، حيث تموت الفتاة التي غدت عجوزاً ويغادر الرجل، ليلبسان الغياب ثوباً
يترك الفضاء الذي هو محطة القطار شاهداً وحيداًوباقياً على هذا الانتظار الطويل الذي أصبح بطل العرض الوحيد.
ومع موضوعة الانتظار تبدأ أولى مشكلات العرض، فالعرض يُقدِّم حكايته بطريقة واقعية سواء من حيث الموضوع أو الحدث، متكئاً على التكثيف من خلال اختياره لموقف حياتي قادر على استحضار مفردات الوحدة والفراغ والفقدان والاشتياق، لكن تلك الصيغة الواقعية لم تكتمل، إذ افتقر العرض إلى مفردات الحياة اليومية التي تستطيع مدَّ شريان ذلك الموقف، ونقله إلى صيغة أكثر معايشة ومحايثة للواقع، بل أكثر من ذلك، إذ حاول العرض شحن الموقف الدرامي بشعريَّة لم تستطع تغطية فقر الموقف الدرامي وتوقه إلى الحياة، وتلك الشعرية ذهبت بالعرضإلى مستو ً ى تجريدي يحاول رسم صورة لحالة كونية وموقف وجودي من الحياة، وفي ذات اللحظة كان ذلك الموقف غائباً وبعيداً عن الحالة الكونية التي يفترضها الموقف الوجودي الذي يُصوِّر وحدة الإنسان، وألمه، ووحشته في عالم مقفل على ذاته وفراغه، بمعن ً ى آخر لم يستطع العرض الغوص إلى تفاصيل الواقع من خلال التوقُّف عند تفاصيله، ولم يجرؤ على تجاوز تلك المفردات اليومية ليلج إلى بنية كلية، لقد بقي السكين غائباً ونحن نتحدث عن الجراح، وبقي الدم غائباً ونحن نتحدث عن الألم، وبقيت القبل غائبة ونحن نتحدث عن الحب، في حين من جهة أخرى لم نستطع بناء عالم أو صورة مجرَّدة للدماء والحب والمرارة والفراغ والوحشة.
لقد حاول العرض شحن الموقف الدرامي بين شخصيتيه من خلال المزاوجة بين علاقتهما ببعضهما كخط موا ٍ ز لحكايتهما التي جمعتهما في هذا الفضاء الدرامي، إلا أن هذا المحور وإن بدا حاملاً موازياً لجمل ٍ ة من المفردات الحياتية واليومية، إلا أنه جاء فقيراً وعاجزاً على النهوض بأعباء حكايت ّْ ي الشخصيتين، إذ إنَّ علاقة الشخصيتين ببعضهما كانت قادرة على توفير بيئة مناسبة لتحويل حكايتيهما المجرّدتين أو تاريخهما إلى بنية ملموسة، من حيث إنها في كل حالاتها وتلُّوناتها لا يمكن أن تكون سوى صد ً ى مرَّاً لحالة الفقدان، والحنين، ووهم اللقاء بالحبيب المنتظر.
أيضاً بدت العلاقة بين الشخصيتين مرتبكة وغير واضحة، إذ يُقدِّم العرض جمل ً ة من الإشارات التي تنبئ عن علاقة حب ستنشأ بين شخصيتيه، لكن هذه الإشارات لم تتضافر في بنية متكاملة، بل على العكس كانت معزولة ومنقطعة عن سياق الحدث، لتبدو التطورات اللاحقة في علاقة الشخصيتين مقحمة وغير مبررة.. وهنا مع حالة الارتباك الدلالي المسيطرة على خطاب العرض لا نستطيع أن نجزم بأن المخرج قد افتقد الرؤيا، ولكننا على الأقل نستطيع أن نقول بأن التعبير قد خانه.
مصطفى أكثم سليمان
بطاقة تعريف:
نص: إسماعيل خلف.
إخراج: فراس الراشد.
تمثيل: فيصل حميد، ميرفت محمد.
عزف عود: روبير يزبك.
موسيقا: بشار الظللي.
إضاءة: عنتر حميد.............................
شرفات العدد 77 الإثنين 24 أيار 2010 م
www.shorufat.com