| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
ثـقـب البـــاب ... فانتازيا لـ نجلا أحمد علي
ثـقـب البـــاب
فانتازيا بقلم: نجلا أحمد علي
ليلٌ يُغيِّب معالمَ البلدة، ينشر خفافيشَ شؤمه في كلِّ مكان. صفيرٌ ثقيل لرياح قطبيّة يستلبُ سكينةَ الروح ويأذنُ باستحضارِ الوساوس.
صوتٌ كأنَّهُ نهايةُ العالم، يتشكَّل بلا تناغم مِن اصطفاقِ أغصانِ الشجر واندلاعِ دوَّاماتِ الغبار وصفعِ الحصى للأسطحة الواطئة ومصاريعِ النوافذ والأبواب.
السماء تراودُ الأرض عن نفسها، يُعلنُ بينهما عراك غيرُ متكافئ, ومطرٌ كثيف يوشكُ أن يُغرق البلدة لا لشيء إلا ليُنجزَ طقوسَ تلقيحِ الملكوتِ الأعلى للملكوتِ الأدنى.
في حجرتي، ومن مكاني على سريرٍ جبان انزوى حذاءَ الباب أَنصتُّ لما حولي.
صخبُ الكون وعزيفُ الرياحِ الهوج يدغدغانِ الخوفَ فيَّ من إبطيه، يُداعبانه في السُّرة، يَلكزانهِ في الخاصرة فيستفيقُ على أثرِ اللذَّة، وتنهضُ معهُ أوهامٌ وأوهام.
في خطٍّ أفقيٍّ واحد يتلاقى نظري بثقبِ البابِ الموصد. قشعريرةٌ تعبرُ نخاعي الشَّوكي تنتقلُ عدواها إلى المفاصل, إلى أناملَ قلقةٍ تسعى لسحبِ اللُّحاف فوقَ الرأس وإخفائهِ بالكامل.
مَن تُرى يُراقبني عبرَ ثقبِ الباب؟
* * *
الوقتُ كانَ صباحاً، والعربة تمضي بنا بشقِّ النَّفَس على طريقٍ مرصوفةٍ بالحصى. على ضفافِ الطريقِ المُحدثة في الضِّياعِ السهليَّةِ البعيدة حيثُ موقعُ العمل، تماوجتْ حقولُ القمح بشكلٍ أخَّاذ على إيقاعِ رياحٍ شرقية. وامتدَّ بحرُ اخضرارٍ فسيح صافحَ الزُّرقةَ الأزليَّة عندَ الأفُقِ القَصيّ.
كانت المقاعدُ تعلو بنا وتهبط فانصرفتْ عنَّا الرغبةُ الملحَّة بنومٍ قصير يُعوِّضُ الاستيقاظَ المُبكر. عينا السائقِ ظلَّتا يَقظتين وَسطَ قعقعةِ الحصى وتَصاعُدِ سحبِ الترابِ الأبيضِ على مدِّ النَّظر. العينانِ تجوسانِ الطريق. تمُحِّصان في مطبَّاتِها وتفصيلاتها. تنحرفانِ يميناً صوبَ الحقلِ المجاور في نظرةٍ جامدة.., يدوسُ السائقُ على الفراملِ بقوة فتشخرُ العربةُ الَهرِمة وتثبُ في حركةٍ ارتداديَّة إلى أمام وخلف كعُلبةِ كرتون.
ـ ثمَّةَ رجلٌ مَيت.
أصواتٌ وأجساد تتزاحمُ فيما يغادرُ العُمَّالُ الحافلةَ رغبةً باستطلاع. أَتخلَّفُ عنهم وأُراقبُ مِن مقعدي بسهومٍ تَحَلُّقَهم السريعَ حولَ جثّةٍ مكوَّرة لرجلٍ خمسيني نحيف أسمرَ بصلعةٍ لامعة، وشاربينِ رفيعينِ وعينينِ محدِّقتين بجحوظٍ مُربك.
ثلاثونَ مِتراً وزجاجُ السيارة يفصلاني عن رجلٍ تكوَّرَ على نفسه. اليدُ اليسرى استراحَتْ على العشب والأخرى ذاتُ الأصابعِ الطويلة والمفاصلِ شديدةِ البروز طُوِيَت عفويَّاً على رأسه. الأنسام تخفقُ حاملةً وخزَ الصقيعِ الشرقيّ. تنحني السنابلُ بخفَّة على الوجهِ المكفَّنِ بقطراتِ الندى فلا تحجبهُ كليَّاً. تلمعُ الصَّلعة, يتوهَّجُ شيءٌ غامضٌ في العينينِ المُحدقتين، وتزدادُ النظرةُ الجاحظة للميِّت ثباتاً وتركيزاً. يُساورني شعورٌ أنهُ ينظرُ إليّ.
قصفَ الخوف رعوداً في قلبي. يحدثُ هذا حين أنظرُ إلى موتى بعيونٍ مفتوحة في التِّلفاز. هنا يحدثُ الأمر على بُعدِ خَطوات، وواقعةُ هذا الصباح تُعذِّبني بوحشيِّة. الذّاكرةُ الطريَّة ما تنفَكُّ تُنَقِّبُ في بقايا مشهدٍ حيّ لرجلٍ لم يعدْ حيَّاً لسببٍ ما.
صعدَ السائقُ العربة يتبعهُ العُمَّال. لا ريبَ أنَّ القتيل قضى فجراً في حادثِ سيَّارة بدليلِ قطراتِ الندى وحُطامِ شاحنةٍ عسكريةٍ قريبة.
تُواصلُ العَربة مسيرَها. تزدحمُ الأصواتُ مجدَّداً في جَلبةٍ تبعثُ على الدُّوار, لا بدَّ أنَّ اجتهادَ الرجال يصلُ الذَّروة.
أَنفصلُ عنِ الفضاءِ الخانقِ حولي وأَستشعرُ برودةً خلالَ فقراتِ ظهري، وأنا ألتفتُ إلى الخلف وشيءٌ ما يُرعبني في العينينِ المُحدقتين بـي.
* * *
الحجرة تلتهبُ بلونٍ فضيّ ويقصفُ الرَّعدُ بتهوُّر بقعةً من هذا العالمِ. الضوءُ يخترقُ سَماكة اللُّحاف وشبَكيَّةَ العينين رغمَ الأجفانِ المُطبقةِ بقوَّة. هديرُ الرَّعدِ المُروِّع يَرُجُّ طبلَتَيّ الأُذن رغمَ اليدينِ الضَّاغطتين على الصِّيوان.
في عَتمةِ ما تحتَ اللُّحاف تشتعل عيناه بتحديقةٍ غريبة، يرنو إليَّ كأنَّهُ الشيطان، يتحرّرُ ببطءٍ من رُقادهِ بينَ السُّهول، يُحرِّكُ أعضاءَهُ، يتمطَّى، يمسحُ الموتَ عن سُحنته. ربّما تنفرجُ شفتاهُ عن ابتسامة، أو تخبو النظرةُ الرَّاعبةُ في عينيه. هاهوَ يمشي, يقطعُ الأميالَ مُخوِّضاً في الأوحالِ والمستنقعات بحذاءٍ عسكريٍّ ذي رقبةٍ طويلة ويأتي إلـيّ.
أَهوَ من يطرقُ الباب؟
مِن مكاني على سريري حذاءَ الباب مباشرةً، أَفتحُ كُوَّةً في اللّحاف وأَنظرُ إلى الثُّقب... تلتمعُ فيه لتقطعَ الشكَّ باليقين عينٌ مراقبةٌ قاتلةُ النَّظرات.
تُرعدُ السماء, وتمتلئُ نفسي بمخاوفَ هستيريَّة. أُغلقُ الكُوَّة بجنونٍ وأَتقوقع, وتكتكةُ أَسناني تتناغمُ معَ الطَّرقِ المستمرِّ على الباب.
لِمَ لا يدَعُني بسلامٍ ويرحل..
تِك..تِك..تِك
طِق..طِق..طِق
النَّقْرُ والطَّرقُ مَحمومان, يتأرجحانِ بينَ الباب ونافذةٍ مجاورة. لن أفتحَ, لن أُدخلَ أطيافَ موتى إلى بيتي مهما يكن مِن سوءِ طقس.
أُحاولُ استرجاعَ ماقالَهُ والدي (حفَّارُ القبورِ العتيق) حينَ نفضَ يديهِ مرَّةً مِن واجبِ دَفن: ( الحيّ أَبقى مِنَ الميِّت، ومن حقِّ الطبيعةِ علينا أن نتقبَّلَ ذهابَ الأمواتِ إلى غيرِ عَودة). لا يجُدي هذا نفعاً، فأنا ابنُ حفَّارِ قبور وأَخشى الموتَ والموتى.
تأديبُ السماءِ للأرض متواصل، وإيقاعُ الهَطْلِ الغزيرِ يذكِّرُني بهديرِ مَوج. الهطلُ يزدادُ كثافةً، لا أجرؤُ على فتحِ النافذة لكنِّي أتخيَّلُ القطراتِ الرَّاشقةَ سِياطاً تُلهبُ قشرةَ الأرضِ اللَّزِجة. ينقطعُ التيَّارُ الكهربائيّ.
الثقبُ يمتلئُ شراسةً ويملؤُني رُعباً. والطَّرْقُ على البابِ عنيد.
كلُّ مافيَّ يرتجفُ حتى العِظام. ماذا لو خُلعَ الباب وداهمَ الشّبحُ الحُجرة وضغطَ على عُنقي بأصابعَ قويةٍ ذاتِ مفاصلَ بارزة.
كثيراً ما تجتهدُ المخيِّلةُ المريضة بما لا يُمكنُ حدوثه, فالثُّقبُ اللَّعين الذي فاتَني حشوُهُ بالقطن يُهيِّجُ مخاوفي فأُحسُّ حرارةً مفاجئةً تتوسّطُني، ولزوجةً تسيلُ بينَ فخذيَّ الملتحمينِ بعصبيَّة.
* * *
أَفقْتُ صباحاً في الموعدِ المُعتاد، توقفَتْ الحافلةُ عندَ عتبةِ الدَّار. صَعدْتُ, مَخرَتْ بعجلاتِها مستنقعاً خلَّفَتهُ عاصفةُ الأمس.
العُمَّالُ أشباهُ نِيام، غير مُبالين، أنا مِثلُهم لا أُبالي بشيءٍ، لا بعاصفةٍ ولا بأَطيافِ قتيلٍ مَرميٍّ في العَراء. أَصلاً لم يزرْنِي ميتٌ لا ليلاً ولا نهاراً، ولم يطرقْ بابي شبح. إنَّهُ البَرَد وتلكَ حبّاتهُ لا تزالُ تفترشُ جوانبَ الطريقِ والشّرفاتِ وحَوافَّ الأغصان.
الحافلةُ تصلُ إلى السَّهلِ الجنوبي. أَنظرُ جانباً بثباتٍ عبرَ الزُّجاج.. لا وجودَ لجثّةٍ مُبحلقة أو سيارةٍ مركومة. الخوفُ الذي أقضَّ مضجعي أمس لا أثرَ لهُ.
العاصفةُ الهوجاءُ امّحَت.
وكما يفعلُ المتوكِّلونَ على الله ردَّدْتُ: (الصَّباح رَباح)
لكنَّ الهَمَّ الذي ما بعدَهُ هَمّ، ينتظرُني هذهِ الليلةَ في حُجرتي الصغيرة. إنَّهُ جوابٌ لما يلي:
ـ هلْ ستُعاودُ أطيافُ الميّتِ زيارتي؟
وهلْ ستُطِلُّ الحَدقةُ الناريَّةُ مجدَّداً من ثُقبِ الباب؟
| |
| مشاهده: 652 | |
| مجموع التعليقات: 0 | |
