الرئيسية » مقالات » مقالاتي

ثقافة العذرية ... مجد يونس أحمد
ثقافة العذرية مقدمة :
 قبل الدخول في صلب الموضوع لابد من مقدمة صغيرة أعتقد لابد منها كمدخل يسهّل علينا عملية التسلسل المنطقي لمشكلتنا ..
 * التخلف النفساني لدى مجتمعاتنا :
 يولد التخلف النفسي في المجتمعات استلاباً نفسياً , على المستوى الذاتي , والمستوى الذهني .. ويعرف التخلف النفسي بأنه :
 نمط من الوجود وأسلوب في الحياة , يظهر مع كل حركة أو تصرف , وفي كل ميلٍ أو توجه , وفي كل معيار أو قيمة , أي انه نمط وجود .. له خرافاته وأساطيره ومعاييره التي تحدد للإنسان موقعه ونظرته من نفسه , ونظرته من الهدف من حياته , وأسلوب انتمائه ونشاطه ضمن مختلف الجماعات ..
على المستوى الذهني كما على المستوى الذاتي , تعاني مجتمعاتنا من مجموعة من العقد التي تميز وجودنا كمجتمعات نامية ( وهو المصطلح الذي اتفق على إطلاقه على مجتمعاتنا المتخلفة ) , مجموعة من العقد تميز الوجود المتخلف الذي يولّد آلاماً معنوية تهدم التوازن النفسي , وبذلك تبرز آليات دفاعية ضد هذه الآلام والخطر المهدد للتوازن ..
 ووراء مختلف العقد والقيم والتوجهات والممارسات يبرز التخلف كهدر لقيمة الانسان , الانسان الذي فقدت انسانيته قيمتها , قدسيتها , والاحترام الجديرة به .. فالعالم المتخلف هو عالم فقدان الكرامة بمختلف صورها .. هو العالم الذي يتحول فيه الانسان الى شيء , أداة , أو وسيلة , الى قيمة بخسه .. وبذلك يعيش الانسان المقهور في عالم من العنف المفروض .. هذا العنف الذي يجعله يعيش في عالم الضرورة .. وتكريس مجموعة من الوضعيات العلائقية وما يتبعها من إحساس بالعجز أمام المصير المهدد دوماً ؛ وانعدام مشاعر الأمن التي تؤدي الى مجموعة من العقد تميز حياتنا كآليات دفاعية أهمها .. عقدة النقص , وعقدة العار .
 

 * عقدة العار :
هي إحدى أخطر الأوجه التي تتنامى بشكل طبيعي لعقدة النقص ... إذ يخجل المء من ذاته , ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب احتماله .. وهو يبقى في حالة دفاع دائم ضد افتضاح عجزه وبؤسه , وبذلك تكون السترة هي إحدى هواجسه الاساسية .. إنه الكائن الذي يخشى أن ينكشف باستمرار , يخشى ألا يقوى على الصمود , وبالتالي يتمسك بشدة في المظاهر التي تشكل بالنسبة له ستراً واقياً لبؤسه الداخلي .. ويخيم عليه هاجس الفضيحة ( فضيحة العجز , أو الفقر , أو الشرف , أو المرض ) , فجدلية الحياة الخاصة والحياة الخارجية , وجدلية ما يخفى وما يعلنه ؛ تجعل الانسان يعيش في حالة امتحان دائم وتهديد بفقدان دفاعاته وتعرّي حياته الخاصة التي يجتر مأساتها بصمت وألم , وبالتالي يبقى همه الأول اجتياز الامتحان والاحتفاظ " بالسترة " , نظرة الآخرين , تعليقاتهم , تكتسب لديه قوة شديدة الوطأة على نفسه وتهدد مكانته الركيكة ...
مع هذه العقدة نضع الاصبع على ما يمكن تسميته نفسياً " الجرح النرجسي " الذي يشكل أكثر مواطن الوجود الانساني ضعفاً ومسّاً بكبريائه الذاتي , إنها الكرامة المهددة , لذلك : فإن العزة والكرامة تحتل مكانة أساسية في خطاب الانسان المسحوق , ويصبح بقاء الرأس مرفوعاً , والاحتماء من كلام الناس , من القضايا المصيرية بالنسبة له .. بحيث يستطيع الانسان أن يعيش بدون خبز ولكنه يفقد كيانه الانساني إذا فقد كرامته وظل عارياً أمام عاره .. تلك هي النقطة التي تنهار معها الطاقة على احتمال مأساة القهر والبؤس ..
في مجتمعاتنا المتخلفة ( عفواً ) النامية , تعاني المرأة من قسط كبير من الاستلاب من خلال ما تتعرض له من تسلط , وما يفرض عليها من رضوخ وتبعية , هذه المرأة المستلبة اقتصاديا وثقافيا وجنسيا في بلادنا , تعاني الاستلاب الأخطر وهو الاستلاب العقائدي ( أي تبني المرأة لقيم سلكوكية ) , وتعاني من تماشيها مع القهر الذي فرض عليها , فتقوم بتبريره جاعلة منه جزءاً من طبيعة المرأة .. وبذلك فهي تقاوم تحررها .. وتقوم أيضا بترسيخ تلك القوى التسلطية والقمعية المتخلفة التي فرضت عليها وتعممها على الآخرين من خلال نقلها الى أولادها , وبالأخص البنات منهم , حيث تفرض عليهن عملية الرضوخ للأب والأخ والزوج .. الخ , وتفرض بالمقابل تغرس في نفوس الذكور النظرة الرضوخية للسلطة والتبعية ..
وهكذا نجد في مجتمعاتنا المتخلفة ( عفوا مرة أخرى ) النامية , يسقط الرجل العار أساساً على المرأة باعتبارها العورة أي هي موطن الضعف والعيب بالنسبة له , وهذا الاسقاط يجعل من الانسان يربط بين شرفه كله وكرامته كلها بأمر جنسي ليس له أي مبرر من الناحية البيولوجية المحضة ( الحياة الجنسية للمرأة ) , فتحاط المرأة بالأساطير والخرافات حول دورها في التعبير عن الشرف المهدد , فنراه يربط الشرف بالمرأة ويسقط العار عليها الى درجة التطرف مما يجعل القتل مبرراً وتصرفاً اجتماعيا " جناية الشرف " لأنه يُعتبر انتفاضة مشروعة لاستعادة الكرامة والسمعة اللتين هددتا ..
تلك هي الخدعة التي تمارسها الفئة المتسلطة من خلال القيم التي تفرضها على الفئة المسحوقة .. فتصور لها ( الطبقة المتسلطة ) ارتباط شرفها وكرامتها بالمرأة بدل أن تربط بالمكانة الاجتماعية والمهنية .. وبذلك يكون تحويلاً للأنظار عن مصدر العار وسببه وهو الاستغلال والتسلط وما يفرضانه من قهر على الانسان ودوس لكرامته .. ونراه في مجتمعاتنا , بدل أن يثور على مصدر عاره الحقيقي يثور على عاره الوهمي وهو المرأة المستضعفه باعتبارها العورة ..
 عقدة العار عقدة عامة تعشعش في نفوسنا وعقولنا , إنها عامة في مجتمعاتنا ولايظن أحد أنه بمأمن منها بشكل أو بآخر .. فمجتمعاتنا مازالت تحافظ وتدافع بضراوة على التابوهات القديمة اللاعقلانية , وتحاول من جديد تكريسها بقوة أكبر من الماضي في نفوسنا وتقاليدنا وأعرافنا , رغم أنها منافية للكرامة , كرامة المرأة وانسانيتها , في زمن ينادى فيه للحريات الفردية التي أقرتها مبادئ حقوق الانسان .
. ثقافة العذرية ( ثقابة البكارة , ثقافة العفة ... ) ثقافة نباهي فيها في مجتمعاتنا , مرتبطة بشكل مباشر وأساسي بشرف المرأة وهي ثقافة غدت ثقافة أخلاقية فاعلة في الفضاء الثقافي الاجتماعي في مجتمعاتنا المتخلفة التي تتسم بالذكورة وبالتالي هي ثقافة تنحاز للرجل الذي يحق له ما لايحق للمرأة ..
 فالرجل يحق له أن يمارس الجنس خارج إطار علاقته الزوجية مثلا .. أما المرأة فالويل لها إن هي أقدمت على ذلك ..
ما يحيرني هنا سؤال :
 إن أكثر الرجال يتحدثون عن مغامراتهم الجنسية وقد تصل نسبتهم الى حوالي 80% من الرجال , تلك المغامرات الجنسية تحدث بشكل طبيعي مع النساء ..
 من الناحية الأخرى نجد أن قلة من النساء يتحدثن عن مغامراتهن الجنسية بسبب الخوف وما الى هنالك من أسباب ..
 النتيجة .. إذا كان 80% من الرجال يمارسون الجنس , و لو افترضنا أن فقط 10% من النساء يمارسون الجنس خارج العلاقة الزوجية مثلاً .. فكيف يمارس الـ 70% من الرجال الجنس بدون نساء ؟ ؟؟؟؟؟
 إذن هذا يحدث شاء من شاء وأبى من أبى ..
 إن فوبيا البكارة إحدى عوامل تحجر عقول الرجال والنساء في مجتمعاتنا .. بحيث تضع ثقافة البكارة الجسد في دائرة الإثم , وبالتالي تكرس ثقافة الاستمناء التي تعد البديل التواصلي , وهي منتشرة بين الجنسين , متناسين طبياً أن تهميش الجسد بتلك الطريقة القاسية يفقده حواسّه , وتتضاءل معرفته بالعالم ويفقد المعرفة الحسية التي تعتبر أساسية للتوازن النفسي ..
 أليس اشتراط بكارة المرأة قبل الزواج تجاهلاً لكرامة المرأة , وتصنيفها كشيء .. أداة قابلة للإستعمال , بحيث ينظر إليها بأنها مستعملة من قبل ؟
 أليست الحياة الجنسية شأنا شخصياً لا يجوز لأحد أن يتدخل بها في حياة الراشدين والراشدات ..
 أليس من حق أي فتاة أن تعيش حياتها الجنسية قبل الزواج وأن تتصرف بما يكفل لها سيادتها واستغلالها وحريتها وكرامتها ..
 مجموعة من الأسئلة نطرحها , نناقشها ..
 الى أي مدى يعتقد الرجل في زمننا هذا ويصرّ على أن شرف هو في عذرية امرأته , يضمن أنها لم تفعل ذلك قبله ؟ وكيف له ان يكتشف ذلك ؟ لأنها وببساطة قد تلجأ الى ترميم ما يمكن ترميمه من حياتها الجنسية عند أي طبيب فيقوم برتق غشاء الشرف وقد أُفتي بجواز ذلك , ألا يبيح ذلك الخداع والكذب على حساب الصدق ؟
 لماذا نقبل نحن الشرقيون أن نتزوج بامرأة أوربية عاشت حياتها الجنسية كاملة وبحريتها , وليست عذراء ؟ بينما إذا كانت فتاة شرقية فإننا نقيم الحد عليها ؟
 الطهارة يا ناس لا علاقة لها بالعذرية وأنا انظر باستهجان لمن يقول إن طهارة زوجتي بين فخذيها .. يا إلهي انه الجنون ..
*******
 مجد يونس احمد
 
 الهوامش : د.مصطفي حجازي ( التخلف الاجتماعي ... سيكولوجية الانسان المهدور )
الفئة: مقالاتي | أضاف: negative9558 (10-08-02) | الكاتب: مجد يونس احمد E
مشاهده: 632 | الترتيب: 4.0/1
مجموع التعليقات: 0
الأعضاء المٌسجلون فقط يٌمكنهم إضافة تعليقات
[ التسجيل | دخول ]