| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
من أين تؤكل الكتف ؟!!... الناقد أحمد قشقارة
من أين تؤكل الكتف ؟!!
يقال : إن فلان يعرف من أين تؤكل الكتف ... وللأمانة, كنت أسأل نفسي كلما سمعت هذه المقولة : تُرى من أين تؤكل !؟ ثم ما هي هذه الـ (كتف) التي ينبغي لآكلها أن يتمتع بالمعرفة الكافية التي تخوله أكلها ؟ هل هي كتف خاروف .. أو فروج بلدي .. أو عصفور .. أو ... أم أنها كتف ( ... ) ؟
وهل ثمة طريقة معينة , أو طقس ما , لتؤكل فيه هذه الكتف المسكينة ؟ ولماذا ينبغي أصلاً أكلها ؟ ومن هم الذين ( يعرفون ) كيف تؤكل الكتف .. وكيف اكتسبوا هذه المعرفة ليتميزوا عن غيرهم من الناس , الذين لمّا يعرفوا بعد كيف تؤكل الكتف ؟ ثم لماذا الـ ( كتف ) على وجه التحديد ؟ وما السرّ في ذلك ؟
تساؤلات كثيرة كانت تنتابني عند سماعي لهذا المثل, أو الحكمة , أو المقولة ...أو ...... لا أعرف ماذا أسمي هذه الكلمات . ولا أخفيكم أن فضولي كان يتنامى يوماً بعد يوم , لدرجة بتّ فيها متشوّقا لرؤية واحد من هؤلاء الذين تنطبق عليهم هذه الصفة الاستثنائية , والتي تميزهم عن باقي أفراد جنسهم من بني البشر , إلى أن عثرت أخيرا على ضالّتي المنشودة , بجواب شافٍ كافٍ , ربما يكون مناسبا لتلك التساؤلات . فقد دعيت ذات مرة لحضور حفل تكريم لأحد فناني اللاذقية , وفي مثل هذه الحفلات ـ التي تكاثرت في الآونة الأخيرة كتكاثر مطربي الدرجة ( تمنطعش ) ـ يقتضي العرف أن يقدم أحد الزملاء شهادة يذكر فيها مناقب ومآثر هذا الزميل المكرّم ...
وبالفعل .. اعتلا الزميل الـ ( شاهد ) المنصة , الزميل الذي يلازم صاحبه الفنان المكرّم كظله في العمل والمكتب والنشاط الفني , ووقف وراء الميكروفون , واتّخذ الجست المناسب لموقف كهذا , وبدأ حديثه برزانة مفتعلة , وفصاحة لم تخلُ من جر المنصوب ورفع المكسور ونصب المجزوم , وقال واصفاً صديقه بوقار بالغ , محاولا نبش ذاكرته الضحلة , وانتشال ما علق على جدرانها المعتمة الباردة من عبارات مستهلكة , خمّن لحظتها , أنها قد توهم الحضور بأن المتحدّث ( فلتة زمانه ) في الثقافـــة والمعرفــــــة , ومحاولا في الوقت نفســــه , أن يقدّم لـ ( صديقه ) مديحاً يفوق بعظمته وبلاغته مديح المتنبي لسيف الدولة ... قال : إن أصدق وصف يقال عن صديقي الفنان ( ... ) أنه رجل يعرف من أين تؤكل الكتف !!
هيبة الجو العام , ووقار المناسبة , لم ينجحا في كبح جماح الحاضرين ورغبتهم في إطلاق العنان لضحكاتهم , التي وصلت لحد القهقهة , واستطاعت تحطيم قيود الهالة المفتعلة للبروتوكولات التي فرضها الحاضرون على أنفسهم ...
احمرّ وجه الفنان المكرّم خجلا , ولعله في سرّه لعن الساعة التي تم فيها اقتراح هذا الصديق ليقدم فيه الشهادة , بل لعل الساعة نفسها التي ارتضى فيها هذا التكريم , لم تنجُ أيضا من لعناته...
ارتبك خطيبنا الفذ , وأدرك بفطنته وسرعة بديهته أنه ( عفّس ) وأنه على حد تعبير المثل ( جاء ليكحلها فعماها ) لكنه بالطبع لم يشأ أن يظهر بمظهر الـ ( داخل بالحيط ) .. ولأن صاحبنا لم يعتد في حياته على ثقافة التراجع عن الخطأ , وأن الإنسان ـ أي إنسان كان ـ هو كائن معرّضٌ للخطأ والسهو والنسيان , ولأنه أيضا لا يريد أن يؤكد ّ مقولة فرويد ( زلات اللسان تعبّر عن مكنونات القلوب ) لاسيما وأنه يمتلك نظريته الخاصة في علم النفس الحديث , ما حدا أحسن من حدا , نظرية تعترف فقط بـالـ ( أنا ) وتسقط الـ ( هو ) من قواميسها , كما يمتلك أسلوبه الخاص في الإخراج المسرحي , كمان ما حدا أحسن من حدا , أسلوبٌ يعتمد بالدرجة الأولى على تحضير حقائب السفر وتجهيز الأمتعة ( وعلى رأسها مصّاصة المتّة ) وشد الأحزمة للمشاركة في المهرجانات المسرحية الخارجية , حتى قبل أن يبدأ البروفة الأولى , لأن السفرة مضمونة , وهو الوحيد الذي سوف يفوز في نهاية أي مهرجان فرعي ينظمه بنفسه , من ألفه إلى يائه , ويختار عروضه ومخرجيه ولجان تحكيمه , ويقرر في النهاية جوائزه وشهادات تقديره وترشيح الأول منها للمشاركة في المهرجانات الخارجية ( والمرشّح الأول طبعاً ينبغي دائما أن يكون عرضه ) ...
أقول لأنه هكذا , وفهمكم كفاية , فقد أسعفه ذكاؤه في اللحظة المناسبة بأن يلعب لعبته الشهيرة ( خير وسيلة للدفاع هي الهجوم ) مؤكّدا للحاضريــن بأنه لم يخطئ , وأنه يعرف ما يقول , وأن الخلل يكمن في سطحية تلقيهم , وعدم قدرتهم على الارتقاء لمستوى الدرر التي تنساب من بين شفتيه , وأن عليهم إعمال العقل قليلا ليتأملوا عمق العبارة وما تحمله في ثناياها من دلالات بليغة ... وشفقة منه على الحضور الكريم , ورغبة منه في مدّ يد العون لهم لمساعدتهم على فهم حقيقة ما يقول فهما صحيحا لا لبس فيه , راح يؤكد مرة أخرى أن صديقه الفنان ( المكرّم ) يعرف , بالفعل , من أن أين تؤكل الكتف .. شارحا ومفسرا حقيقة المعنى الذي قصده , والذي استعصى على فهم الجمهور , وهو أن صديقه يعرف كيف يدير العمل الإداري في المؤسسة الفنية التي يديرها !!
من يومها ... عرفت كيف تقام الولائم التي تؤكلُ فيها الأكتاف .. سلّم الله أكتافنا وأكتافكم
| |
| مشاهده: 1485 | |
| مجموع التعليقات: 0 | |