الرئيسية » مقالات » مقالاتي

القصة القصيرة جداً و أزمة الهوية... نجلا أحمد علي

القصة القصيرة جداً و أزمة الهوية
 احتفت العديد من المهرجانات المحلية بالقصة القصيرة جداً و تبنَّت الصحف ووسائل الإعلام الترويج لهذه الظاهرة الأدبية المعاصرة فخصَّتها بالاهتمام و الرعاية اللائقين لتنمو كتجربة و لتؤتي ثمارها معبرةً عن اتجاه خاص و هوية إبداعية فريدة، وتُعدّ المراكز الثقافية في دمشق و حلب هي السباقة في التهليل و الترحيب بهذا المصطلح الذي راقَ لبعض النقاد اختصاره بثلاثة حروف: أل (ق.ق.ج) تماشياً مع روح القصة القصيرة جداً التي تقوم على الاختزال و الاختصار في الكتابة جرياً مع مقولة:
 /خير الكلام ما قلَّ و دل/.
و قد حضرتُ جانباً من الفعاليات المُسوّقة لهذا النوع من الأدب و لا أقول /هذا الجنس/ سواءَ ما اختصَّ منها بإلقاء نماذج من القصص على المنابر أو ما عُنيَ بالقييم و المطالعة النقدية. وقرأتُ بعض الإصدارات الخاصة بالقصة القصيرة جداً فخرجتُ مما تقدَّم إلى بعض الاستنتاجات:
 1 ـ لا أعتقد أنَّ القصة القصيرة جداً هي نوع أدبي مُستحدث أو دخيل على خارطة الإبداع العربي، وبالرجوع إلى القرآن الكريم و السور القِصار نلاحظ حضور /الحكاية الومضة/ و /اللقطة القصصية العبرة/ بسحرها الآسر و أَلقها الأخاذ، إضافة إلى الحكايا القصيرة التي حفلت بها المجلدات العربية في سعيها للتأريخ للأدب العربي في مواقف مختلفة منها الظريف الماجن و منها المأساوي الأليم. و لعلَّ وقفة تأملية في محراب هذه الكتب و هاتيكَ الأسفار تجعلنا نصطدم بهذا الاكتشاف و ببعض القناعات الخاطئة حول هذا الشكل الكتابي المسمى (ق.ق.ج)، و كَمثال على حضور القصة القصيرة جداً في الشعر العربي هذا البيت الشهير الذي يختصر فيه الشاعر مراحل الحب و الارتباط قائلاً:
 نظرةٌ، فابتسامةٌ، فموعدٌ، فلقاءُ....
 2 ـ لقد طغى الكمّ على النوع في كتابة القصة القصيرة جداً في بلدنا، فقلَّة من الكتاب أدركوا سرّ اللعبة و عوامل نجاحها كفن ينبئ عن اتقاد ذهني لدى المؤلف و روح موغلة في السخرية و التمرد و النقد، وثقافة عامة، و حرفيَّة إبداعيةً. إضافة إلى اكتناز ذاكرة شعبية و أمثال و حِكَم و تسخيرها لخدمة الفن و مقاصدهِ الجوهرية. و أذكرُ أنَّ القاص (أحمد جاسم الحسين) كانَ من أوائل المروِّجين لمشروع أل (ق.ق.ج) في سوريا، واشتغلَ الدكتور (محمد جمال طحَّان) و بعض المهتمين بحماس لإطلاق هذا المشروع و إشهاره.
 3 ـ لقد حققت أل (ق.ق.ج) ثورةً إعلامية مميزة و لافتة في مرحلة التأسيس (أو الإحياء إن صحَّ التعبير)، وشهدت إقبالاً يليق بالوعود التي زفّتها إلى الكتاب المتحمسين و إلى الشبان المغامرين الذين تعلقوا بها تعلّق الغريق بقشة على مايبدو. لكن سرعانَ ما خفَّ البريق و تراخت العزائم و الهمم و الآمال. و هنا أَخلصُ ـ شخصياً ـ إلى الرأي التالي:
 لم تستطع القصة القصيرة جداً أن تعرِّف نفسها كمفهوم واضح يستند إلى أسس إبداعية متينة ، وبالتالي فقد أضاعت ملامحها حتى قبل أن تكتسبها. و الإقبال المحموم على إصدار الكتب الخاصة بها و مارافقهُ من حماس و رهانات سرعانَ ما تخافتَ وانحسرَ فلم تُجْدِ كثرةُ النصوص و الأغلفة التي صدَّرتها المطابع منذ سنواتٍ خلت في الحدّ من الانحسار و خبوّ البريق، وهنا نصل إلى لبّ الموضوع: إنَّ أل (ق.ق.ج) لم تستعصِ على التوصيف و التصنيف، و إنما ضيَّعت على نفسها فرصةً تاريخية ثمينة لتغدو (جنساً) أدبياً خالصاً وخاصّاً، ووريثاً شرعياً للقصة و الحكاية القصيرة في التراث العربي و الإسلامي. لذا فالرأي فيها لم يعد متذبذباً بين الشك و اليقين، بل أصبحَ جلياً لكلّ ذي فطنة. * * *
الفئة: مقالاتي | أضاف: negative9558 (10-07-25) | الكاتب: نجلا أحمد علي E
مشاهده: 517 | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
الأعضاء المٌسجلون فقط يٌمكنهم إضافة تعليقات
[ التسجيل | دخول ]