| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
تلك الشوكولا العزيزة .. الكاتبة السورية ليندا حسين
كان عمري ثلاث عشرة سنة حين سُمح لي بدخول السينما لأول مرة. شاهدت حينها فيلما لمخرج شاب من مدينتي كان قد عاد لتوه من الاتحاد السوفييتي بعد أن تعلم كيف يصنع المرء فيلما. كان أهل قريتي ساخطين على الفيلم الذي صنعه ذلك الشاب والذي يسخر فيه من لهجة الفلاحين في اللاذقية ويُظهر بناتهم بصورة غير محتشمة، ومع ذلك فقد كان ذلك الفيلم وراء زيارة مئات الفلاحين للسينما لأول مرة في حياتهم. جدي شخصيا أخذته ابنته ـ خالتي الشابة ـ إلى السينما ليشاهد الفيلم، وقد ضحك كثيرا ولكن بصوت رزين. باختصار، شاهد جميع سكان اللاذقية ذلك الفيلم. كبيرهم وصغيرهم، الأمّي فيهم والمتعلم، جميعا ذهبوا وشاهدوا اسماعيل يطلق رصاصة على أنفه، وأخذ الجميع يتحدث عن أنف اسماعيل، إلا أنا، لأنني كنت الوحيدة التي لم أشاهد الفيلم.
ثم سُمح لي أخيرا بالذهاب إلى هناك. جلست برهبة في المقعد نفسه الذي جلس عليه جدي من قبل، لكني لم أضحك ضحكته الرزينة، بل فغرت فمي مذهولة، ولأنني لم أكن أعرف أن الأفلام تشاهَد بالعين، فقد اعتقدت أنها تُبتلع ابتلاعا، ولهذا فتحت فمي على وسعه، وابتعلت الصوت وحزن الممثلين والعتمة ورائحة الغبار الغامضة والستارة الحمراء والضوء المتدفق من الشاشة الكبيرة، ابتلعتهم جميعا بنهم وكأنه الفيلم الأخير الذي سأتمكن من مشاهدته في حياتي، فقد انتابني شعور أنهم لن يأتونا ثانية بمثل هذا الفيلم، كذلك كنت متيقنة من استحالة إقناع أسرتي بالسماح لي مجددا بالذهاب إلى السينما، فقد كنت استنفدت جميع الحيل ومارست جميع أنواع الابتزاز حتى سمحوا لي بالذهاب إلى هناك.
بعد انتهاء الفيلم اشترت خالتي قطعتي "كلير" من مخبز فاخر، وتبرعت بواحدة منهما لي، التهمناهما ونحن نمشي قرب الميناء، وهبت نسمات ناعمة على وجهي وعلى وجه خالتي التي كانت تضع نظارة شمسية حلوة، وكنت أريد أن يتوقف الزمن بنا أمام البحر بينما خالتي وأنا نلتهم الكلير، الذي كان أطيب ما تذوقته في حياتي، على الإطلاق.
تجربة الفيلم الأول تلك تشبه تجارب الحب الأولى، نهمة وناقصة ولا يمكن أن تكون متألقة كما ينبغي. وأذكر اليوم أن ما بقي من رحلتي الأولى إلى السينما هو طعم الكلير تحت لساني. بعد ذلك ستخلّف كل الأفلام التي سأشاهدها طعما سحريا، هو طعم ذلك الشيء الذي يذوب في الفم ولا يُنسى، طعم الكلير المغطى بالشوكولا الحلوة، وأنا اليوم أذهب إلى السينما خصيصا لاستعادته بعد أن تأكدت أنه لا يوجد معمل ولا مخبز في الدنيا قادر على إعادة طعم تلك الشوكولا العزيزة مثلما تفعل صالات السينما.
| |
| مشاهده: 1088 | |
| مجموع التعليقات: 0 | |

