| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
أول الرماد ... الفنان التشكيلي محمد بدر حمدان
![]() أول الرماد
محمد بدر حمدان
بعد كل ما رحل من خفق الزمان الذي صافحت صباحاته على أعتاب الضوء المخمور بماء الحلم ، ها أنذا وحيد مرّة أخرى في زحمة هذا البرد وأنين اللون المفتون بكحل الأزرق و فضاء جحيم الموسيقى .
هنا في مرسم عمري حيث أفقت على شكل التعب و أنواع الأسئلة و أرغفة الكلمات المشوية في تنور القلق .
رحم أوسع من أغنية و مدى أبيض ، أتبعثر في كل خلايا الريح و بوح الحرف ، ثم أتوه إليك طفلا معطوب الذاكرة يتلمس درب العودة صوب رحيق طفولته و أسميك بأسمائي و أنا أتسلّق أرصفة النسيان .
كل الكتب ، الألوان ، اللوحات المتعبة على جدارن الصمت ، خيال النغمات الدافق فوق جمال امرأة أجفلها الحزن فنامت فوق وسادة حبر .
أوراق الترحال تصيح هناك ، و هنا زخرفة تتعرى جانب أقدام الحائط ، و حقائب ذكرى تملأ ركنا يتمالك كتفيه ، فراش للرسم و أقلام تكتب أسئلة صدئة .
جمع كراس غادرها النوم فأمست شاهدة تعرف أسرار البوح .
طاولتي تتربع ركنا آخر و تنوء بأنواع الأحزان و مساءات تفقد إشراق حروف رسائل من غابوا .
و أنا يا سيدة الغياب أبدأ كل مساء أتهاوى صوب مساء أطويه في أحضان سكون شققه برد اللحظات الهاربة كما أفعل . حين يشيخ الأسود يرتدي عباءة الرماد ، وكذا حين يشيخ الأبيض لا يستأذن أن يصبح مطعونا ببقايا توشيح الليل الراكض مثل وميض أرعن .
هل أفضح أسرار العتمة ؟ أم أكشف عن مستور لا يعرف معنى الكشف ؟
أبدأ تلوين الأبيض لأني أرغب في رؤيته ، ثم أتوه إلى بحر الأشعار القابع بين حنايا الأسود و أضيع على وجه القول المحموم بماء النطق .
أقفل أحلام القول و أعود إلى ماء التشكيل أتهجّى قسمات أنتظر وقع خطاها ، أرشق أطياف الألوان فوق رماد الحزن ، و هنا ألوان أسكبها فوق رماد الموت ، في تلك الزاوية العزلاء ألقيت قصيدة لون فوق رماد الحب ، و على كل مسافات اليأس أمطرت ألواني فوق رماد الحلم و هتفت مثل نائحة على جسر الزمان : أيها الرماد الضائع بين الأبيض و الأسود لا لون لك !
خارج الوقت الذي يمضي رحيلا صوب موت الضوء ، تأتين مفعمة بوهج الماء و الكلمات .
أكتب ألواني فوق شفاه أنهكها قول القول .
لا تدخلي وجعي بكفّين استحال البوح بينهما .
عيناك أبواب الهبوب المشتهى ، بوابة سوداء أتعبها بياض الملح ، خارج الكلمات أنت ، خارج الوقت .
تشتد الرياح على دمي ، أول الدرب نهايته .
يشتد الكلام على فمي ، أعنون باب الدرب بالأحلام و الوجع الأخير ، و هنا ، مثلما كنت ، قبل أغنية و أيام و آلاف السنين في جوف هذا الموت الكامن ، ألعن وجه الوقت الذابل بين جناحي وهج العتمة .
كانون الثاني / 2003
| |
| مشاهده: 749 | |
| مجموع التعليقات: 0 | |

و أنا يا سيدة الغياب أبدأ كل مساء أتهاوى صوب مساء أطويه في أحضان سكون شققه برد اللحظات الهاربة كما أفعل .