| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
الصيادون و حوريات البحر.... أريج علي حسن
![]() الصيادون و حوريات البحر
اريج علي حسن
في طفولته كان يرافق والده إلى البحر كثيراً إذ أن والده كان يعمل سائقاً في النهار و صياداً في الليل. كان الوحيد من بين إخوته الذي يسمح له بالذهاب إلى البحر لأنه الأكبر.
في كل ليلة كان يساعد أباه في تجهيز الصنارة و الطعم فكان الوالد يرمي الصنارة في البحر و ينتظر و الابن يرقب أباه و ينتظر... لكنه لم يكن ينتظر الأسماك بل كان ينتظر دخول والده في غيبوبة البحر.
ما أن تستقر عينا الأب على نقطة ما تختارها مقلتاه حتى يستغل الفرصة و يمشي إلى أبعد مكان يستطيع منه رؤية والده ليحدق بتلك الصخرة حتى بزوغ الفجر مذهولاً وكأنه يشاهد فيلماً عن سكان الفضاء الذين سيغزون الأرض عما قريب. لكن الحقيقة كانت مخلتفة قليلاً عن هذا الوصف, ففي كل ليلة كان يذهب فيها إلى البحر كان يرى حورية بحر على تلك الصخرة البعيدة و كان يراقبها كل ليلة دون أن يبوح بكلمة عن سره الصغير لأحد لأن أحداً لن يصدقه.
توفي الصياد, اهترأت الصنارة ولكنه واظب على عادته القديمة فقط ليمتع ناظره بها و هي تلعب بذيلها الأخاذ على تلك الصخرة البعيدة.
في يوم مقمر ذهب إلى البحر ابكر من عادته و أخذ يمشي حتى أصبح بقرب الصخرة فجلس بجانبها و قلبه يكاد يكسر قفص صدره لشدة انفعاله . ذهب الناس و هاج البحر و قفزت الحورية إلى تلك الصخرة. أخذت تسرح شعرها و تلعب بذيلها تحت ضوء القمرو كانت تصدح بموسيقى رائعة العذوبة, موسيقى تشبه صوت أمواج البحر تحت ضوء القمر. ظل مأخوذا بسحر هذا المنظر الهارب من حكايات جدته إلى أن انتبه لبزوغ الفجر, فقام على قدميه محدثاً ضجة أفزعتها فهمت بالنزول إلى البحر لكنه ناداها متوسلاً أن تبقى. عند سماع صوته تنبهت لشيء ما فتوقفت ثم نظرت إليه و عندما رأت وجهه تحت ضوء القمر تنهدت و ابتسمت قائلة" أهذا أنت؟"
فأجابها بصوت مرتعش " نعم, انه انا" -"
و ماذا تريد مني؟"
- " أن أراك كل ليلة" -
" ثم ماذا؟" -
"أن أكلمك لبضع دقائق"
-" ثم ماذا؟"
- ----- -" ماذا؟
" -" لا أكثر"
تضحك برقة
–" سأراك كل يوم و أكلمك لعدة دقائق, فقط لأنك كنت تؤنس وحشة ليالي المظلمة طوال تلك السنوات. كنت أراك دائماً .. هناك.. في البعيد.
" أصبح يراها كل يوم و يحادثها لعدة دقائق إلى أن طلب منها في إحدى المرات أن تسهرمعه طوال ذاك الليل فوافقت بعد تردد..., ثم أخرى طلب فيها أن تسمح له بتسريح شعرها فوافقت بعد تردد...., ثم آخر و آخر... في أحد الأيام ذهب ليراها كالمعتاد وأتت في الموعد كالمعتاد لكنها كانت متعبة و مرهقة و قد فقد ذيلها بعضاً من بريقه فسألها عما بها نظرت إليه و شرعت بالبكاء فضمها إلى صدره طوال الليل , ثم ليل آخر و آخر....
أصبحت صخرتها كعبته و أضحى قدومه بزوغاً لفجرها ..
طاب لها عناقه و أخذت تشتم رائحته الغريبة الشهية حتى الدوار
لكنها كانت تذوي يوما إثر آخر
حتى جاء يوم ...
يوم قال لها" من أنت؟ ما أنت؟ ابقي معي" ذرفت دمعة وحيدة و مررت أصابعها الشاحبة في شعرها المتساقط لتقطف خصلة تعطيه إياها و تقول له" ليس لك إلا هذه" و قفزت إلى البحر لتغوص في عالمها البعيد دون أن تعود مجدداً بقي ينتظرها كل ليلة على تلك الصخرة دون جدوى..
أصبح يأخذ صنارته معه, يرميها في البحر و ينتظردون جدوى..
ثم أصبح يأخذ ابنه الأكبر معه إلى الصيد كل ليلة فيجهزا الطعم و يرميا الصنارة في البحر و ينتظرا, هو يراقب صخرته البعيدة طوال الليل و ابنه ينظر مشدوهاً إلى تلك الصخرة البعيدة البعيدة هناك ... حيث تستقر عيناه المذهولتان دونما كلل.
| |
| مشاهده: 587 | |
| مجموع التعليقات: 0 | |

" أصبح يراها كل يوم و يحادثها لعدة دقائق إلى أن طلب منها في إحدى المرات أن تسهرمعه طوال ذاك الليل فوافقت بعد تردد..., ثم أخرى طلب فيها أن تسمح له بتسريح شعرها فوافقت بعد تردد...., ثم آخر و آخر...