| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
محاكمة امام المرايا -- الكاتب والصحفي اسماعيل الحسين
![]() محاكمة امام المرايا
اسماعيل الحسين
1
يعذبه الصمت ، ويرسمه الفراغ فزاعةً من قشٍ وثياب . تغادره الدهشة فيمد ارتخاءه قطيع غمامٍ ينذر بمليون أحجية . يبسط كفه اليمنى فيسكنه الفزع لهول المسافة مابين السبابة والإبهام ، فتنكمش اليد ويصهل القلب شوقاً لإصبعٍ سادسة ، حيث اتساع الرقعة الخالية ، فتزدحم الدهشة فيه حين يكون ذلك فعلاً . 1
.. أيضاً لاشيء سوى الدهشة ، هناك ، في جهة أخرى من العالم ، حيث فتاة كاعب ، تهدر صخباً ، فيه من الفرح بقدر ما فيه من الفزع ، وهي تشاهد خوختين تتشكلان في صدرها ، فتسرّ لأمها ، لينبت ربيع حلوٌ في ضفيرتيها وتولد أحلام أكبر من حبتي خوخ وأمنيات تحرث الروح وتنتظر المطر . 2
مغرمٌ هو الآن بإصبعه الجديدة ، يحقنها ماء الحياة ويمارس بها طقوسه البدائية الحميمة . في الصباح يتصفح الجرائد والوجوه ، يقرأ الأكف والمرايا ووجهة الريح ، وفي آخر الليل يركن .. يمتص ما تيسر من لفائف التبغ الرخيص ، فيغلبه الصحو إذ يحترف تشكيل الحروف ، فيحرك تاء التأنيث الساكنة ويمد الألف المحنية .. ويفك لجام التاء المربوطة قسراً وينام . في الصبح ، يجفله أن كل حروف التكوين تسللت عبر ثقوب الباب ونزلت إلى الشارع ، وأن ورماً خفيفاً بدا يتشكل في إبهامه . 2
في تلك الجهة الأخرى من العالم ، يعلو هسيس متقطع ، ثم يخبو ، حين تسأل الفتاة الناهد أمها ، عن سر قطرات الدم التي لوثت سروالها ، وما من جرحٍ سوى بعض آلامٍ خفيفة من ليلة البارحة ؟!!! وأمام ثرثرة الأم عن ابنة الحسب والنسب ، تنسل الفتاة إلى الخارج لتصيخ السمع لأصوات طبولٍ قادمة تلملم شوق المطارح للمطارح . 3 / 3
مثلما العاقر تحتضن طفل الحلم خوف الصحو ، تراه يحتضن كفه اليمنى . يبسطها بجانب الأخرى ليجد أن الورم قد جاوز ما كان عليه صباح أمس ٍ . حين وقفت فتاة أمام المرآة لتفجأ أن البطن غدا أكثر انتفاخاً أيضاً . وكل التقارير تؤكد أن الورم قد شمل الكف كاملة ، وأن لابد من بترها ، كي لايتحول إلى الآخرين عن طريق المصافحة ربما . تنتفض الفتاة .. وتسرع لتحطم كل مرايا البيت والصور المعلقة بوقارٍ على الجدران ، وتقف خلف النافذة ترقب الدرب خوف مجيئهم . 4
لم يكن حلماً حين جاؤوا . كانت ملامحهم متطرفة . لم يحدثوا ضجةً قط ، همسوا في أذنه ، بعد أن حقنوه ، : نحن نعتذر .. فالواجب يقضي بأن .... لم يعد يسمع شيئاً ، فأسلم جسده أدراج النوم ، حين رأى الجهة الأخرى من العالم ، فثمة رجال بملامح ثقيلة وغير محايدة يسوقون فتاةً ، وثمة طبول تقرع .. ونساء يضربن الأرض بأرجلهن فيتطاير غبارٌ يشكل زوبعة تحاول تثبيت أطناب الصمت ، حين شقت صرخةٌ في الأفق البعيد دروباً نحو الله ، لتصطدم بجدار الروح هناك ، فيرتعش الجسد الملقى بإهمال ، ثم ينتصب مشدوهاً حيث لا أحد ، سوى بضع قطرات جافة من دمٍ يكاد يعرفه ، وعصابة بيضاء تلف مكان الكف . يتقدم - بخطى جندي خانته أولى المعارك – نحو النافذة المشرعة قليلاً ، يرسل بصره بعيداً ، فيعود المُرسَل عجِلاً ، ليثبت كالمسمار في إطار النافذة ، ثم ينسحب بحنوٍ إلى الكف اليسرى ، التي تنكمش وتفرد بقلقِ ، ثم تنكمش لتنفرد على اتساعها ، فيتلبسه فرحٌ يخاصر حزناً وهو يشاهد هول المسافة مابين السبابة والإبهام ، فيبتسم بخبثٍ ويمضي .. ! | |
| مشاهده: 750 | تعليقات: 1 | |
| مجموع التعليقات: 1 | ||
| ||
