| الرئيسية » مقالات » مقالاتي |
الرجل الذي نظر إلى البحر .... الكاتبة السورية نجلا أحمد علي
![]() الرجل الذي نظر إلى البحر أحبَّ رجلٌ أن يتملّى البحر , والكرة اللاهبة المحمرّة التي أوشكَ يلتقمها وقتَ الأصيل . فجلسَ على صخرة , ينعم النظر في المشهد , وما لبثَ أن أشهرَ منظاراً , وشرعَ يحصي الزوارق والمراكب وقد انعكسَ عليها الوهج الغسَقي , فأحالها شواظاً من ياقوت , ودرّاً منثوراً في أفق رمادي .
وافتُتنَ الرجل بما رأى , وأنشأ يصفّر تارةً , وتارةً يصعّد موّالاً شأنَ عشاق البحر والهواء والفُسح المتمرّدة على الأسيجة والعوازل . ولم ينتبه في غمرة انبهاره إلى خفر الشواطئ , وحرّاس الماء , وقد أحاطوا بهِ حين لقّموا المسدسات تلقيمة رجل واحد , وصوّبوها إلى صدغيْه آمرين :
- قف أيها الرجل . أنتَ معتقل .
نطَّ قلب الرجل من صدره إجفالاً , وفرَّ اللون من وجههِ وأطرافه , وتمكّنَ بعدَ محاولات من الوقوف على قدمين مرتعشتين , أشبه بقصبتين تصفّر فيهما الريح .
- من أنت ؟ وماذا تفعل هنا ؟
تأتأ الرجل رافعاً ذراعيه بآليّة تتوافق وطبيعة الموقف :
- أنا , .. أروِّح عن نفسي , وأراقب البحر , أصيد الجمال والهواء والنور .
تبادلَ الرجال النظر, وقال أحدهم :
- هل معكَ رخصة صيد ؟
- لا .
وقال آخر :
- هل تعمل منقذاً لحساب مسبح أو مجمّع سياحي في ( البلاج ) ؟
![]() - لا .
وتوالت الاستفسارات :
- أتعمل موظفاً في الأرصاد الجوية ؟
- مخرجاً سينمائياً لحساب شركة مدعومة ؟
- هل أنتَ مخبر سرّي ؟
- هل تخطط لنسف البنى التحتية للسياحة الوطنية ؟
وتوالت الإجابات :
- لا .. , أبداً .. , مطلقاً ..
عاد شرطي , فسألَ الرجل :
- لماذا إذن تتنشّق الهواء , وتراقب الشمس , والبحر , والنوارس , دونَ إذن مسبق ؟
دُهشَ الرجل واستفسرَ :
- وهل هذا ممنوع ؟
زعقَ الشرطي :
- أيها الوقح .. لا تجبْ عن سؤال بسؤال . قل الحقيقية فوراً : هل معكَ إذن رسمي بالتنفس والغناء واستخدام النظار في هذا المكان أو سواه ؟
طأطأ الرجل رأسهُ , وتمتمَ باستكانة :
- لا .
تنفسَ الرجال الصعداء .
وقال الشرطي :
- ألا تعلم أن هذهِ الأمور مباحة فقط للسيّاح لقاء نهوضهم بالاقتصاد الوطني , ولرجال الشرطة لقاء سهرهم على الأمن العام والخاص ؟
مرة أخرى أجابَ الرجل متلعثماً :
- لا .. , لا أعلم .
قهقه لشرطي مكشّراً عن أضراس مسوّسة , وأعلنَ مجدداً بانتشاء وخُيلاء :
- أنت معتقل .
في الطريق إلى مركز الشرطة , احتارَ الرجل في أمر مباراة الرفس والركل التي تنافسَ فيها الشرطيّون , واستهدفت إليتهُ بشكل خاص , مما اضطرّهُ إلى إفراغها من الغازات المصوّتة وغير المصوّتة . ولم يفهم لماذا يركلونهُ ويدفعونهُ طالما أنهُ مقيّد اليدين , مسيّج بالمسدّسات الملقّمة .
وهكذا , أوقفَ الرجل طويلاً في انتظار محاكمة موعودة . وأخيراً , حين مثلَ أمام قاضٍ أصلع , سمين كدبّ قطبي , وجّه القاضي لهُ سلسلة اتهامات بصوت جهوري مفخّم , ذكّره بآخر موعظة سمعها في كنيسة . فقال :
- أيها المواطن : لقد ضُبطتَ متلبسا؟ً بجرم استنشاق الهواء , ومراقبة ما حولكَ , والغناء والتصفير بصوت عالٍ أقلقَ راحة المصطافين , وحيازة منظار , .. وبلغت بكَ الوقاحة حدّ انتهاك حرمة الصخور البحرية , والتربّع على إحداها دونَ عقد إيجار أو سند تمليك . والتطفل على العشاق في اليخوت الوادعة وسْطَ البحر , علماً بأنكَ لستَ صياداً , ولا عالم أرصاد , ولا منقذ شط , ولا تحرّياً خاصاً , ولا مخرجاً سينمائياً . علاوة على تلويث البيئة بالسجائر التي صودرت من جيبكَ , وبالغازات السامة التي أهنتَ بها الشرف البوليسي في مدينتكَ . والى اتهام الحكومة بإفساد مزاجكَ وسعادتكَ بقولكَ أنكَ ( تروّح عن نفسكَ ) بمراقبة البحر , طبقاً لما ورد في محضر الاستجواب رقم كذا , تاريخ كذا . فماذا تقول في هذه التهم ؟
وما كادَ القاضي ينهي خطابهُ , حتى أبصرَ الرجل ثلة من العسكر تدخل القاعة بخطى استعراضية مهيبة وموزونة . وتتقدم من المنصة بزنزانة مسبقة الصنع , كُتبَ اسمهُ على أحد قضبانها . ارتاع الرجل لما سمع ورأى . وفقد صوتهُ للحال .
خسارة .. , أرادَ أن يوضح جليّة الأمر لمجلس القضاة , .. ويفهمهم أنّ التباساً وسوءَ فهمٍ قد حصلا . وأنهُ بريءٌ من التهم المعزوّة إليه براءة قدّيس من زانية . وقد دفَع كل الضرائب والفواتير والمستحقات التي ترتّبت عليه لأقسام الجباية , دونَ غرامات تأخير , ومن اليوم الأول كدأب أي مواطن ملتزم .
أرادَ أن يحتجّ بتهذيب على منح رخص للغناء والنظر والجلوس والتدخين في الهواء الطلق . وأن يذكّر السادة القضاة أنّ عدد لفافات التبغ التي تُدخن يومياً في العالم تعادل عشرة بلايين سيجارة أو تنوف .. , وأنّ ما يعادل خمسة بلايين نسمة من سكان المعمورة عليها أن تخضع للتفتيش عن السجائر , لا أن يقتصر التحرّي والاتهام بتلويث البيئة عليه فحسب . وأحسَّ بضرورة أن يثبت مؤازرتهُ المطلقة للحكّام وللحكومات في كل زمان ومكان . فقد ادّخرَ عشرات القصائد والأشعار والمُدَح اللائقة بمناسبات التمجيد , والتنصيب , والتأبين , والفخر بالمناقب والكرامات والأنساب والمنجزات والانتصارات , والتي طالما حلُمَ بإلقائها على المنابر والأسماع . لكنّ صوتهُ فرَّ منهُ , كما فرَّ قلبهُ . فلم يحرْ جواباً .
وقال الراوي : بعدَ عدّةٍ من الزمن , انتهت محكوميّة السجين , فخرجَ إلى الشارع العام بشعر وشارب أشيبين , وقدّمت لهُ إدارة السجن مكافأة نهاية خدمة , وكانت عبارة عن هدية رمزية مكّونة من نظّارة سوداء سميكة , وعصا بيضاء ناصعة .
وانطلق الرجل يتجوّل في الشارع , أو بالأحرى يتقرّى طريقهُ وسْطَ الزحام , فأبصر الناس يدسّون عيونهم في الأرض , ولا يرفعونها إلا لمَماً . وغالبيّتهم تسير بنظارات سوداء سمكية , وعصواتٍ بيضاء ناصعة .
ومنذُ ذلكَ الوقت , امتنع الرجل عن الذهاب إلى البحر , واستنشاق ملوحتِه الذّاكية , أو حتى .. النظر إليه من قريبٍ أو بعيد . وحذا آخرون حذوهُ .
مجموعة قصصية للكاتبة بنفس العنوان
| |
| مشاهده: 644 | |
| مجموع التعليقات: 0 | |

