الرئيسية » مقالات » مقالاتي

مغامرة طفولة ... أريج علي حسن
في هذا الصيف تحديداً قررت أن تذهب إلى اللاذقية , مسقط رأسها و مدينة طفولتها. حزمت حقائبها و رحلت في يوم قائظ و عندما وصلت لم تكن تنظر حولها و لا تراقب التغيرات التي فاقت ما طرأ على جسدها الطفولي الغض الذي تحول إلى جسد أنثى حقيقي .... فكرة وحيدة كانت تحتل كل تفكيرها , ذكرى وحيدة كانت تؤنس لياليها و تؤرق مضجعها في آن واحد. لاهثة تسير بين الشوارع عساها تهتدي إلى منزل طفولتها , سيل من الذكريات يفيض في دموع عينيها كانت تنتظر نوم أهلها كل ليلة لتركض إلى شرقتها المفضلة و تنظر إلى بناء مقابل لها, حيث كان ينتظرها كل ليلة .. ذاك الكائن الفضائي الغريب الذي لا شكل له , تحكي له بسرها كل ما حصل و يحصل معها و تستشيره بكل ما يعنيها , كان يسمع دقات قلبها و يشاركها كل مشاعرها .. لم يكن يتكلم و لا يتحرك إنما كان فقط يومئ لها أن نعم أو لا بضوء يصدره لها وحدها فقط. تذكر تماماً في إحدى الليالي الكثيرة العتمة , وصل صراخ والديها إلى نهاية شارعهم واحتد النزاع بينهما, أفزعها صوت إطباق الباب المدوي في منتصف الليل لكأن باباً أطبق في قلبها فلم تعد تستطيع النوم, و كان نحيب والدتها المكتوم موسيقى تصويرية رسمت نهاية كلاسيكية لهذا الليل الحزين.. هرعت إلى الشرفة لتراه, كانت كل المنازل تغط في نوم معتم عميق, حتى هو لم تره , نادته في سرها أن استيقظ إني خائفة ثم حكت له كل ما حصل في تلك الليلة ... انتظرته طويلاً طويلاً , أطل الصبح على الأبنية الغافية و هي لا تزال تنتظر يهزها البرد تارة و الخوف تارة أخرى و عيناها لا زالتا معلقتين على صديقها و فجأة أفاق من نومه ليراها هناك تنتظره بكل براءة الأطفال و الذعر يسكن عينيها المفتوحتين إلى أقصاهما .. أخذ يكلمها كالمعتاد و كانت تفهم تماماً ما يعنيه . أشرقت عيناها المرهقتان عندما وعدها أن والدها سيعود و أن ضحكة أمها ستملأ المنزل كل صباح كما كانت تفعل .. وفى الصديق بوعده و مرت السنوات و سافر مع عائلتها إلى دمشق حاملة في صدرها ذكرى صديق لم يخذلها يوماً. فجأة رأت نفسها أمام بناء منزلها, كان لا يزال على حاله , هرعت راكضة إلى السطح و أنفاسها تتلاحق بسرعة ذكرياتها المحمومة .... الكثير من "الدشات " احتل موقع الهوائيات, ركضت بالاتجاه الذي يطل على صديقها, تعثرت ببعض الأسلاك هنا و هناك ثم وقفت على حافة السطح محاولة التحديق بكل ما أوتت من قوة و دقة لتحدد مكانه , لم تر شيئاً ... حاولت و حاولت و لكن دون جدوى , خارت قواها و جلست القرفصاء متكئة على جدار. نبع الذكريات الذي لا ينبض , يومها الأول في المدرسة , في ذاك اليوم كانت تتوق إلى العودة لتحكي له كيف ابتسمت لها مدرستها و كيف كان مقعدها غير مريح إطلاقاً و كيف أعطتها صديقتها جزءاً من تفاحتها .... كان سعيداً جداً بها. كانت تعرف ذلك لأن ضوءه كان أقوى من المعتاد, ثم تذكرت أول مرة استلمت فيها صحيفة الطالب كانت نتائجها ممتازة. عندما قبلها و الداها كانت تشعر بفخر و حماس أسكراها من شدة الفرح.... و قد كان في انتظارها أيضاً.. ظلت تتذكر و تتذكر ماضيها معه إلى أن انتبهت فجأة أن الساعة أصبحت الثانية عشرة ليلاً , هلعت , نهضت تحاول الوصول إلى درج البناء . ألقت نظرة أخيرة على الأسطح المجاورة و همت بالنزول لكنها فجأة رأت ضوءاً أحمر من بعيد .... دق قلبها بسرعة و أخذت تبذل جهداً كي تركز بصرها فأغمضت عينيها لبرهة ثم فتحتهما من جديد ... رأت نفس الضوء الأحمر لكن هذه المرة على سطح البناء الآخر ... ثم رأت ضوءاً آخر ... وبعد زوال دهشتها ابتسمت و انحدرت دمعة من عينيها ... لقد كان مقوي إشارة الهوائي. _ وحده هز العالم بقبضتيه , قبضة من خبز و أخرى من حبر... قاتلك الله أيها الجوع.
الفئة: مقالاتي | أضاف: negative9558 (10-07-13) | الكاتب: اريج علي حسن E
مشاهده: 570 | الترتيب: 3.0/1
مجموع التعليقات: 0
الأعضاء المٌسجلون فقط يٌمكنهم إضافة تعليقات
[ التسجيل | دخول ]