الرئيسية » مقالات » مقالاتي

في حَضْرَةِ الشَّيطان...الشاعر والفنان التشكيلي الياس توفيق حميصي
 
جاءَتْ أُنْثَى طَيِّبَةُ الكُرُومِ، تَمِيْسُ في حَريرِها الأبيضِ المُدَخَّنِ، يَشِفُّ عَنْ جَسَدٍ عارٍ تماماً، يَلُفُّ خَصْرَها شريطٌ عَقَدَتْهُ بِرَبْطَةٍ واحدةٍ، وينكَشِفُ عنْ قُبَّتَي نَهْدَيْنِ أُسطورِيَّيْنِ، في حِلْمَتَيْهِما الوَرْدِيَّتَيْنِ قِرْطَاْنِ ماسِيَّانِ.!. حَيَّتْنِي بِابْتِسامَةٍ رقيقةٍ؛ ونَظَرَتْ إليهِ، أشارَ لَها نَحْوِي بِسَبَّابَتِهِ، فَاقتَرَبَتْ مِنِّي، وَمَسَحَتْ شَعْرِيَ بِكَفِّهَا؛ وَقَفْتُ مَشْدُوهاً حائِراً مُنْجَذِباً إِلى عِطْرٍ ساحِرٍ يضُوعُ مِنْهَا، لَثَمَتْنِي بِرِفْقٍ بِرَحِيْقِ شَفَتَيْهَا؛ فَاشْتَعَلْتُ. نَزَعَتْ قميصِي وبِنْطالي وحِذائِي وجَوْرَبَيِّ بِيدَيْها، أَخَذَتْنِي مِنْ يَدِي، وقادَتْنِي عَلَى مَهْلٍ إِلى حَوْضِ ماءٍ، يتلألأُ في قَعْرِهِ ضَوْءٌ أَصْفَرُ، نَزَلَتْ قبلِي، ومَدَّتْ يَدَهَا؛ فَنَزَلْتُ، عَمَّدَتْنِي، حَدَّقَتْ في عَيْنَيَّ، لَمْ أَرَ في حَيَاتِي عَيْنَيْنِ بِهَذَا الجَمَال، سوداوَيْنِ بارقَتَيْنِ؛ نَزَلَتْ في حَوْضِ الماءِ، غَمَرَهَا حتَّى نِصْفِها؛ فَالْتَصَقَ جَسَدُهَا بِالحَريرِ، اِلْتَفَتُّ إِليهِ، كانَ يُراقِبُنَا مِنْ بُعْدٍ، يُدَخِّنُ سيجاراً فاخِراً؛ ويَلْبَسُ رِداءَهُ الأُرْجُوانِيَّ، مُنْتَعِلاً حِذَاءً لامِعاً، وفي خُنْصُرِهِ الأَيْمَنِ خاتَمٌ بِحَجَرَةِ ماسٍ مُتُوَهِّجَةٍ؛ أشارَ لِي : هَيَّا ...! اِسْتَدَرْتُ نَحْوَ المرأةِ الخارِجَةِ مِنْ رَحْمِ الآَلِهَةِ "أَفْرُودَيْت"، أَخَذَتْ تَرُشُّنِي بِالماءِ، ثُمَّ نَهَضَتْ لِتَغْسِلَنِي مِنْ شَعْرِي إِلى أَسْفَلِ قَدَمَيَّ؛ وأنَا أَقِفُ كَالمُغَفَّلِ، لا أَلْوِي على شَيْءٍ، يَدَايَ مُسْبَلَتانِ، رُكْبَتَايَ تَرْتَعِشَانِ، وَقَشْعَرِيرَةٌ بارِدَةٌ دَبَّتْ في مَسَاِّم جِلْدِي، وَاخْتَرَقَتْنِي حَتَّى العَظْمِ؛ لَمْ تَنْطُقْ بِكَلِمَةٍ واحدةٍ، كانَتْ تَتَحَدَّثُ بِعَيْنَيْهَا، وبِإِيماءَاتٍ صَامِتَةٍ مِنْ أصابِعِهَا، أَوْ كَفَّيْهَا؛ أشارَتْ إِلَيَّ أَنْ أَنْزِلَ في الماءِ، فَفَعَلْتُ. وَضَعَتْ كَفَّهَا اليُسْرَى خَلْفَ رَأْسِي، والأُخْرَى تَحْتَ أَسْفَلِ ظَهْرِي؛ ثُمَّ بَدَأَتْ تُداعِبُنِي بِأطَرافِ أَصابِعِهَا، مِنَ القَدَمَيْنِ، صُعُوداً إِلى الصَّدْرِ، خَلْفَ أُذُنَيَّ، عِنْدَ قَوْسَيِّ الحَاجِبَيْنِ، على الجَبِيْنِ، وعلى خَطِّ الأَنْفِ النَّازِلِ إلى الشَّفَتَيْنِ؛ كانَ الماءُ دافِئاً يتصاعَدُ مِنْهُ بُخارُ كَسُولٌ يتماوجُ، ثُمَّ يبتعدُ عالياً، كانَتِ السَّتائِرُ الَّتي حَوْلَنَا زرقاءَ مُخْضَرَّةً لازَوَرْدِيَّةً، ولَوْنُ طَرَفِ الحَوْضِ العَاجِيِّ يعكُسُ ألوانَ الَّلازَوَرْدِ، وأَضْواءَ خافِتَةً مَخْفِيَّةً، تأتي مِنْ طَرَفِ السَّقْفِ؛ تَأَمَّلْتُ ذلكَ كُلَّهُ في ثَوَانٍ، وقُلْتُ في نَفْسِي : "أَيْنَ أَنَـــا .؟ ما الَّذي أَتَى بِيَ إِلى هُنُا.؟." قَرَأَتْ ما يَدُورُ في ذِهْنِي؛ أَمْسَكَتْنِي مِنْ طَرَفِ شَعِرْي، أَدَارَتْنِي بِاتِّجاهِهَا، صارَتْ مُقابِلِي، أطوفُ على وِسادَةِ الماءِ الَّذي أَخَذَ يزدادُ دِفْئاً، وهُوَ يُهَدْهِدُنِي كَسَرِيرٍ خَرَافِيٍّ؛ مَدَّتْ كَفَّهَا إلى المارِدِ الَّذي انْتَصَبَ بِكُلِّ بَهَائِهِ مُنْفَرِداً بِالعَزْفِ على قيثارةِ الماءِ كَوَتَرٍ وحيدٍ.!. لَمْ تَبْخَلْ عليهِ بِتَمْرِيرِ أظافِرِهَا المَنْشُوبَةِ المَطْلِيةَِّ بِالَّلوْنِ الزَّهْرِيِّ ، وَبِرُؤُوسِ الأصابعِ راسِمَةً دوائِرَ، وخُطُوطاً هَندَسِيَّةً رائِعَةً عليهِ؛ أبراجاً ومُرَبَّعاتٍ ومُثَلَّثاتٍ؛ زَرَعَتْ عليهِ باقاتٍ مِنَ القُبَلِ الرَّقيقةِ، والعَضَّاتِ النَّاعِمَةِ بِحافَّةِ أسنانِها، فَازْدَادَ انْتِعاشاً وَاسْتِقامَةً؛ كادَ ينفجرُ. تَمَّ ذلكَ كُلُّهُ على مَرْأَىً مِنْهُ، كانَ يِحتسي بين الحين والآخر شُرْبَةً مِنْ كَأْسِ الويسكي الأزرقِ، وينفُثُ دُخانَ سِيجارِهِ مُنْتَشِياً، وهُوَ يَتَفَرَّجُ علينا، مُمَدِّداً قَامَتَهُ على كُرَسِيٍّ طويلٍ، أَمَّا المُوسيقا الَّتي اخْتارَهَا لَنَا، فكانَتْ لِـ" ريتشارْد كْلايْدِرْمَانْ"؛ مُوسيقا عَذْبةٌ ناعمةُ تَتَهادَى في تَواصُلِهَا مَعَ الأُذُنِ، حَتَّى لَتَخَالَ نَفْسَكِ تُحَلِّقُ في فَضَاءِ الْكَوْنِ الرَّحيبِ. اِسْتَلَّتْ أظافِرَهَا، شَرَعَتْ تَعْزِفُ على بَطْنِي، وتَعْبَثُ بِشَعْرِ صَدْرِي، كُنْتُ مُسْتَسْلِماً لَهَا كَمَحْكُومٍ بِالإِعدامِ عِشْقاً وَاشْتِهاءً حَتَّى الموتِ ...! شَعَرْتُ بِرَغْبَةٍ جامِحَةٍ في سَماعِ صَوْتِهَا؛ نَظَرْتُ في عَيْنَيْهَا، فَأَشَارَتْ لِي فَوْراً بِسَبَّابَتِها كعمودٍ فَوقَ شَفَتَيْها: "أُصْمُتْ ...!". أَخَذْتُ نَفَساً عميقاً، وَأَرْجَعْتُ رَأْسِيَ إِلى الخَلْفِ لِيرتاحَ مِنْ جديدٍ على وِسادَةِ الماءِ الَّذي صارَ حَارَّاً، حَارَّاً أكثرَ مِنْ قَبْلُ؛ لَمْ أَعْدْ قادِراً على تمييزِ دَرَجَة حرارَتِهِ، فقَدْ كانَ البُركانُ في داخِلِي عَصِيَّاً على كُلِّ المَقاييسِ الحراريَّةِ الَّتي اختَرَعَهَا الإِنسانُ.!. ×××××××××××××
 خَلَعَتْ رِداءَهَا الحَرِيرِيَّ المُلْتَصِقَ بِجَسَدِهَا، وَتَهَدْهَدَ النَّهْدانِ، وَهِيَ تَبْتَعِدُ، وتقترِبُ مِنِّي، وَأَنَا مُسْتَلْقٍ؛ لَمْ أُصَدِّقْ عَيْنَيَّ، أَسْلَمَتْ لِعَيْنَيِّ ظَهْرَهَا، لا أُصَدِّقُ أَنَّ ما أراهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى ظَهْراً كَمَا عِنْدَ كُلِّ النِّساءِ، لا يُمْكِنُ أَنْ يكونَ هذَا الخَطُّ الَّذي يَنْتَصِفُ شَطَّيِّ الرُّخامِ الإغريقيِّ هذا مشابهاً ظَهْرَ امْرَأَةٍ أُخْرَى على سَطْحِ هَذِهِ الأَرْضِ؛ لَمْ يَكُنْ شَعْرُهُا كَشَعْرِ سِواها؛ كانَ أسودَ فاحِماً يَنْسَدِلُ كَشَلال ضوءٍ على كَتِفَيْهَا، لَمْ أَرَ في حياتِي رُمَّانَتَيْنِ بارِعَتَيْنِ، ومَصْقُولتَيْنِ كَرُمَّانَتَيِ كَتِفَيْهَا؛ تَأَمَّلْتُ، وَشَهَقْتُ: آَهٍ. يكفِي. عادَتْ لِتَنْظُرَ في عَيْنَيَّ نَظْرَةً قاتِلَةً, كأَنَّها عَرَفَتْ أَنِّي صُرِعْتُ.!. اِلْتَفَتُّ إليهِ، لَمْ يَكُنْ موجوداً؛ يبدُو أَنَّهُ ذَهَبَ لِينامَ، بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ على كِلَيْنَا؛ لَمْ تَكُنْ زوجتَهُ، لا.!؛ لا يُمْكِنُ أَنْ يكونَ زوجَها، كيفَ يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَدْعُوَنِي إِلى بَيْتِهِ، إلى هَذَا الطَّقْسِ الخَرَافِيِّ في بِيْتِهِ، وهِيَ زوجتُهُ.؟. هَلْ هِيَ ابْنَتُهُ.؟ رُبَّمَا، وَلَكْنْ، لا، لا يُمْكِنُ، وَكَيْفَ يَقْبَلُ أَنْ يُشاهِدَ هذا كُلَّهُ أمامَ عَيْنَيْهِ، لَوْ كانَتِ ابْنَتَهُ.؟، كيفَ يستمتِعُ بِهَذا المَشْهَدِ.؟. إِنَّها عَشِيقَتُهُ ؟، رُبَّما..!. لَسْتُ أَدْرِي.!. لَمْ أَسْتَطِعْ حَسْمَ ما دارَ في رأسِيَ الفارغَةِ مِنْ أسئلةٍ، وَمَا زَوَّغَ دِماغِيَ مِنْ أَجْوِبَةٍ لَمْ تَشْفِ غَلِيلِي.!. تنفَّسْتُ الصُّعَدَاءَ، أمسكْتُها مِنْ ذِراعِها، نَزَعَتْها بِقُوَّةٍ؛ دَفَعَتْنِي إِلى الخَلْفِ، فَهَوَيْتُ، وغَطَسْتُ في الماءِ. خَرَجَتْ مِنَ الحَوْضِ، أخَذَتْ مِنْشَفَةً خضراءَ، وابتعَدَتْ في الصَّالةِ المفتوحةِ على رُواقٍ طويلٍ، لا أعرفُ إِلى أينَ يُفْضِي. كانَ جِسْمِي يفوحُ بالعِطْرِ الثَّمينِ الَّذي خَلَّفَهُ الصَّابونُ وعُطُورٌ أُخْرَى مُزِجَتْ بِالماءِ، وكانَ البَخُورُ يُشَكِّلُ سحابةً ضَبابيَّةً، أخذَتْ شَكْلَ المَكانِ، وَشكَّلَتْ سَحَاباتٍ تتماوجُ؛ كانَ المنظرُ بِرُمَّتِهِ سِحْراً؛ لا بُدَّ أَنِّي في حَضْرَةِ الشَّيطانِ...!. أخذْتُ مِنْشَفَةً زرقاءَ، تُرْكَتْ على طَرَفِ الأريكةِ، قُرْبَ الحَوْضِ؛ لَفَفْتُ بِهَا جَسَدِي، كانَ المكانُ دافِئاً، نَشَّفْتُ شَعْرِي على عَجَلٍ نافِضاً إِيَّاهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ؛ أردْتُ أَنْ أُفْرِغَهُ مِنَ الصُّوَرِ الَّتي تَشَبَّثَتْ بِهِ، وَجَدْتُ زُجاجةَ الوِيسْكِي؛ دَنَوْتُ مِنْ طَرَفِ البارِ الفَخْمِ في زاويةِ الصَّالةِ؛ سَكَبْتُ كَأْساً حتَّى نِصْفِهِ، ودفعتُ بهِ في فَمِي بنهمٍ جُرْعَةً واحدةً؛ وجلَسْتُ على الأَرِيْكَةِ المُقَابِلَةِ حيثُ كانَ يتفرَّجُ. شَعَرْتُ باستِرْخاءٍ عظيمٍ يجتاحُني، طَرَدْتُ وَسَاوِسِي، ونَظَرْتُ بِاتِّجاهِ الرُّواقِ، لَمْ يكُنْ يَصْدُرُ مِنْهُ أَيُّ صوتٍ يَدُلُّ على حَرَكَةٍ، كَأَنْ لا أَحَدَ في البيتِ سِواي؛ مُسْتَحيلٌ..! أينَ ذَهَبا.؟. أشعَلْتُ سيجاراً تناوَلْتُهُ مِنَ العُلْبَةِ المُزَخْرَفَةِ الَّتي بِجانِبِي؛ تَنَهَّدْتُ عَمِيقاً، وَتَسَاءَلْتُ: كيفَ قَبِلْتُ دَعْوَتَهُ.؟؛ كيفَ جِئْتُ إِلى هُنَا، وأَنَا بِالكادِ أَعْرِفُهُ، ثُمَّ لِماذا دَعَانِي، لِمَ أنا بِالتَّحْدِيدِ. ؟. أَوْقَفْتُ سَيْلَ الأسئِلَةِ الَّتي بَدَأَتْ تَصْطَفُّ في دِماغِي مِنْ جَديدٍ، لِتَحْتَلَّ ساحَتَهُ. كانَتْ ثِيابي مَلْقِيَّةً على أَرِيكَةٍ أُخْرَى، رَمَتْها عليها، وهِيَ تُقَشِّرُنِي مِنْها بِهُدُوءٍ؛ أَنْهَيْتُ الكأسَ الثَّاني على عَجَلٍ، لَبِسْتُ ثيابِي؛ كانَ الهُدوءُ فاجِراً، لَفَظَتْ عِيدانُ البَخُورِ أنفاسَهَا الأخيرةَ؛ أَلْقَيْتُ نَظْرَةً على المكانِ الأُسطورِيِّ حَوْلِي. صَمَتَتِ المُسَجِّلَةُ، اِنْطَفَأَتِ الأنوارُ بِالتَّتابُعِ، دَنَوْتُ مِنَ البابِ، فَتَحْتُهُ بِهُدُوءٍ؛ وَخَرَجْتُ. غادَرْتُ المَبْنَى الضَّخْمَ، خارجاً مِنَ البَوَّابةِ الرَّئيسةِ التي فتحت تلقائياً عند اقترابي منها؛ مَشَيْتُ حتَّى وَصَلْتُ إِلى ناصِيَةِ الشَّارعِ المُمْتَدِّ أمامَ عَيْنَيَّ كَنَفَقٍ مُضَاءٍ، يَحْتَلُّهُ السُّكونُ، ويَغُطُّ في سُباتٍ عميقٍ مِنَ الكِتْمانِ؛ كانَ أخرسَ تماماً؛ لا أَحَدَ فيهِ، لا أَحَدَ إِطلاقاً، نَزَلْتُ عنِ الرَّصيفِ، مَشَيْتُ بِاتِّجاهِ القَمَرِ الوحيدِ يَرْمُقُنِي بِعَيْنِهِ الواسِعَةِ المُضِيئةِ، وأنا هائِمٌ مَشْدُوهٌ، هَبَّتْ نَسْمَةٌ رَقِيقةٌ مِنْ جِهَةِ البَحْرِ، رَفَعْتُ ياقةَ قميصِي. وَأَفَقْتُ.!.
 
المصدر : موقع ألف
الفئة: مقالاتي | أضاف: negative9558 (10-07-13) | الكاتب: الياس توفيق حميصي E
مشاهده: 625 | الترتيب: 3.0/1
مجموع التعليقات: 0
الأعضاء المٌسجلون فقط يٌمكنهم إضافة تعليقات
[ التسجيل | دخول ]